ابن قيم الجوزية

180

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

فهذا شأن التائب من قريب . وأما إذا وقع في السياق فقال : إني تبت الآن ، لم تقبل توبته . وذلك لأنها توبة اضطرار لا اختيار . فهي كالتوبة بعد طلوع الشمس من مغربها ، ويوم القيامة ، وعند معاينة بأس اللّه . قالوا : ولأن حقيقة التوبة : هي كف النفس عن الفعل الذي هو متعلق النهي . والكف إنما يكون عن أمر مقدور . وأما المحال : فلا يعقل كف النفس عنه . ولأن التوبة هي الإقلاع عن الذنب . وهذا لا يتصور منه الإيقاع حتى يتأتى منه الإقلاع . قالوا : ولأن الذنب عزم جازم على فعل المحرم ، يقترن به فعله المقدور . والتوبة منه : عزم جازم على ترك المقدور ، يقترن به الترك . والعزم على غير المقدور محال . والترك في حق هذا ضروري ، لا عزم غير مقدور . بل هو بمنزلة ترك الطيران إلى السماء ، ونقل الجبال وغير ذلك . والقول الثاني - وهو الصواب - أن توبته صحيحة ممكنة ، بل واقعة ، فإن أركان التوبة مجتمعة فيه . والمقدور له منها الندم . وفي « المسند » مرفوعا « الندم توبة » فإذا تحقق ندمه على الذنب ولومه نفسه عليه . فهذه توبة . وكيف يصح أن تسلب التوبة عنه ، مع شدة ندمه على الذنب ، ولومه نفسه عليه ؟ ولا سيما ما يتبع ذلك من بكائه وحزنه وخوفه ، وعزمه الجازم ، ونيته أنه لو كان صحيحا والفعل مقدورا له لما فعله . وإذا كان الشارع قد نزّل العاجز عن الطاعة منزلة الفاعل لها ، إذا صحت نيته . كقوله في الحديث الصحيح : « إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما » وفي الصحيح أيضا عنه « إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم . قالوا : وهم بالمدينة ؟ قال : وهم بالمدينة . حبسهم العذر » وله نظائر في الحديث . فتنزيل العاجز عن المعصية ، التارك لها قهرا - مع نيته تركها اختيارا لو أمكنه - منزلة التارك المختار أولى . يوضحه : أن مفسدة الذنب التي يترتب عليها الوعيد تنشأ من العزم عليه تارة ومن فعله تارة . ومنشأ المفسدة معدوم في حق هذا العاجز فعلا وعزما . والعقوبة تابعة للمفسدة . وأيضا فإن هذا تعذر منه الفعل ما تعذر منه التمني والوداد . فإذا كان يتمنى ويود لو واقع الذنب ، ومن نيته : أنه لو كان سليما لباشره . فتوبته بالإقلاع عن هذا الوداد والتمني ، والحزن على فوته . فإن الإصرار متصور في حقه قطعا . فيتصور في حقه ضده . وهو التوبة . بل هي أولى بالإمكان والتصور من الإصرار ، وهذا واضح .

--> - ما قبل غرغرة الموت ، ولو بساعات أو دقائق ، بل المراد القرب من وقت الذنب المانع من الإصرار ، كما في الآية الأخرى . ولعل مراد عكرمة والضحاك وأمثالهما موافقة معنى الحديث ، من أن اللّه يقبل توبة العاصي ما لم يغرغر ، أي أنه فرض أنه تاب في أي وقت من الأوقات ، قبل الغرغرة والمعاينة ، تقبل توبته ، ولا يكون ذلك منافيا للآية ، فإن الإنسان قد يتوب قبل الغرغرة من ذنب عمله من عهد قريب ، ولكن قلما يتوب من الإصرار الذي رسخ في الزمن البعيد . فإن تاب فقلما يتمكن من إصلاح ما أفسده الإصرار من نفسه ليصدق عليه قوله تعالى : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ( 82 ) . وجملة القول : إن المراد أن الإصرار والتسويف خطر . وإن كانت التوبة تقبل في كل حال اختيار . إذ الغالب أن المرء على ما عاش عليه . فليحذر المغرورون .